أموال "صناديق النذور".. هل لفتت نظر "السيسي" يومًا ما؟

يشارك مئات الآلاف سنويًا في وضع أموال بصناديق النذور المنتشرة بالمساجد المتواجدة بها أضرحة "آل البيت" والأولياء الصالحين، ويقترب عددها من ثلاثة آلاف مسجد، ويحيط حصيلة أموال هذه الصناديق كثير من الغموض؛ إذ لا تعلن عنها وزارة الأوقاف المسؤولة عن إدارتها وتحصيل أموالها عنها.

لكن تصريحات صحفية لمسؤولي الأوقاف تؤكد تجاوز المبالغ عشرات الملايين من الجنيهات. وفي سبتمبر الماضي، قرّر وزير الأوقاف محمد مختار جمعة تخصيص مائتي مليون جنيه (حوالي 26 مليون دولار) من حصيلة صندوق عمارة المساجد وصناديق النذور لإحلال المساجد المغلقة وتجديدها.

وضع كاميرات

وفي مسجد السيدة نفسية، أحد أهم مساجد آل البيت في مصر ويقع بحي الخليفة في القاهرة، يقف أمام ضريح المسجد عامل ليراقب وضع أموال النذور؛ رغم تركيب وزارة الأوقاف أربع كاميرات لمراقبتها.

ويقول العامل، الذي رفض ذكر اسمه لمنع الوزارة للعاملين بها الحديث عن النذور، في تصريحات صحفية، إن الكاميرات وضعت مؤخرًا بعدما كثر الحديث عن سرقة النذور. وأضاف أن فتح الصناديق بحضور ممثل لوزارة الأوقاف وقسم الشرطة التابع له المسجد وإمام الجامع، ويُثبت المبلغ المُحصّل في محضر رسمي.

وأوضح أن الصناديق تحتوي أيضًا على عملات ذهبية وأجنبية، فضلًا عن أدعية وشكاوى. وتابع: "أغرب شيء وجدناه بصندوق كان رسالة تهديد بالانتحار كتبها صاحبها أو صاحبتها لأن السيدة نفيسة لم تتوسط له عند الله لتحقيق ما يتمناه".

وقال مصطفى أحمد، إمام بالأوقاف، إن جنسيات عديدة تزور أضرحة مصر كالباكستانيين والهنود والمغاربة، وأوضح في تصريحات صحفية أن ميعاد فتح تحصيل أموال النذور يختلف من مسجد لآخر تبعًا لكثافة الإقبال؛ فتفتح كل أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو كل ثلاثة أشهر، "وفي أيام الموالد ورمضان يكون الإقبال بشكل أكبر؛ لذا تفتح بشكل أسرع عن باقي أيام السنة".

وعن اتهام العاملين على صناديق النذور بسرقتها، قال إن "مبعثها أبناء الطرق الصوفية؛ لأنهم أكثر المتبرعين لهذه الصناديق".

هدية لآل البيت

ولأن كثيرين من مقدمي النذور أتباع للطرق الصوفية، فإن قانون المجلس الأعلى للطرق الصوفية حدد نسبة 10% للطرق الصوفية منها. ويعتبر الأمين العام لـ"الطريقة الهاشمية"، الطاهر الهاشمي، النذور "هدية لآل البيت وأولياء الله الصالحين".

وقال إن "مشايخ بالصوفية طالبوا مريديهم بتوقف تقديم النذور لأنها تذهب لوزارة الأوقاف"، التي اتهمها بـ"محاربة محبي آل البيت وتكفيرهم". وانتقد الغموض المحيط بهذه الأموال، مطالبًا بضرورة الإعلان عنها ومصارفها لتحقيق الشفافية.

وأهم عشرة مساجد تضخ أموال النذور هي الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة وأبو العباس وإبراهيم الدسوقي والسيد البدوي والسيدة حورية وأبو الحسن الشاذلي والعارف بالله وأبو الحجاج الأقصري، وفق قول "الطاهر".

الحكم الشرعي

يرجع ظهور صناديق النذور بمصر إلى عهد الفاطميين، مع بداية ظهور أضرحة لآل البيت الصالحين وبناء المساجد عليها، وفق ما ذكر الشيخ محمد عوف، عضو جبهة علماء الأزهر.

وعن الحكم الشرعي في أموال النذور، قال محمد عوف إن تحليلها أو تحريمها "يتعلق بنية مقدمها، فإذا كانت نيته لغير الله، بمعنى توجيهه إلى بشر؛ فهو مال حرام، فالنذر لغير الله شرك، وما يترتب عليه حرام من مال أو طعام، أما لو كانت النية بهدف إعمار المساجد وإطعام الفقراء فهو حلال". ولفت الشيخ الأزهري إلى مشكلة سرقة أموال صناديق النذور من جانب المشرفين عليها.

طلب إحاطة

وفي فبراير الماضي، تقدمت شادية ثابت، عضو مجلس النواب عن حزب الوفد بدائرة إمبابة، بطلب إحاطة للمجلس بغرض معرفة أوجه صرف أموال صناديق النذور في المساجد على مستوى الجمهورية؛ إلا أن المسألة لم يُبت فيها حتى اليوم.

وقالت في حينها إن صناديق نذور في مساجد، خاصة الكبرى، يوجد بها أكثر من مليون جنيه حال فتحها، متسائلة: أين تذهب هذه الأموال رغم تجديد المساجد على نفقة الدولة وليس من صناديق النذور؟

وطالبت بضم جميع أموال الصناديق، بما فيها "النذور"، إلى الموازنة العامة للدولة؛ حتى لا تكون هناك شبهة إهدار مال عام واستغلال هذه المبالغ في غير موضعها، وقالت: "البلد تمر بظروف اقتصادية صعبة وعجز في الموازنة العامة للدولة؛ وبالتالي يجب تجديد المساجد وتطويرها من أموال صناديق النذور وليس من الموازنة العامة".

وتابعت: "هدفي التأكد من الأرقام التي تُحصّل من هذه الصناديق، ونبحث إذا كان يمكن تعديل القرار رقم 225 لسنة 2015 الخاص بأوجه صرف أموال النذور وما إذا كانت هناك أمور يصرف عليها وتُلغى وتوجّه الأموال في أمور أفضل".

مصادر الإنفاق

من جانبه، قال محمد حسن، مدير عام الحسابات الخاصة بوزارة الأوقاف، إن فتح صناديق النذور يحدث في وجود أعضاء اللجنة المسؤولة عن ذلك؛ وفي الغالب تفتح مرتين في الشهر، ونسبة الـ10% للمسجد لا تؤخذ كلها؛ لأن كل مسجد فيه وظائف شاغرة تذهب نسبتها إلى الوزارة، والسهم والنصف المخصصان للإمام بحد أقصى 300 جنيه، والعامل أو رئيس العمال 250 جنيهًا، تؤخذ مرة واحدة في الشهر حتى لو فُتح الصندوق أكثر من مرة.

وأضاف، في تصريحات صحفية، أن 80% من أموال صناديق النذور تذهب إلى الحساب المخصص للنذور، وتوجه هذه الأموال لصالح إحلال المساجد وتجديدها ونظافتها وفرشها وصيانتها، وإنشاء المكاتب في المساجد لحفظ الكتب والمخطوطات، وتعمير المساجد الأهلية وتطويرها، والصرف على الاحتفالات والمسابقات الدينية التي تقيمها الوزارة، والصرف على القوافل الدينية والندوات والدروس التي تقام في المساجد، وكل أوجه الصرف تحت رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات.

طريقة التحصيل

ونقلًا عن جابر طايع، رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف، فإن هناك ضوابط لفتح الصندوق؛ حيث تُشكَّل له لجنة تتكون من وكيل الوزارة ومفتش عام منها وعدَادين اثنين وأمين شرطة وقت الفتح ومندوب مالي ومندوب مركز معلومات، ولا يجوز فتح صندوق النذر إلا وهم مجتمعون فعليًا.

وأضاف أن كل صندوق له قفلان: أحدهما في الوزارة والآخر في المديرية التي يتبعها المسجد، والصناديق مُحكمة الغلق جيدًا ويصعب فتحها.

السؤال المطروح

حتى الآن، تظل أموال صناديق النذور الوحيدة التي لم يُشع أخبار عن نية الدولة الاستعانة بها في سدِّ أيٍّ من ثغرات الواقع الاقتصادي المصري المتهالك.

ومن هنا يُطرح السؤال: هل تفكر الدولة يومًا في توظيف أموال صناديق النذور لتغطية أيّ من مسؤولياتها تجاه الشعب بعد أن طرقت أبوابًا عديدة؛ أولها القروض المحلية والخارجية، وكذلك تبرعات رجال الأعمال، بل وتبرعات الشعب بما يتبقى من رواتبه "الفكة"، وغير ذلك من البدائل التي كثيرًا ما بحثت عنها الدولة؟