نحو تطور ميدانى حاسم للثورة ـ حسن القبانى


 

تتحرك كرة الغضب فى مصر الثورة، بسرعة كبيرة، فى وجه الانقلاب العسكرى الدموى، وتتعدد جبهات استهدافه، سواء من مربع الثوار الأحرار الذى يتزايد كل يوم، أو مربع أنصاره، الذى يقل كل يوم، فى انتظار تطور ميدانى حاسم لثورة الشرعية والكرامة.

وقد لجأ الانقلابيون لتغيير خططهم، كما يبدو، فى بعض المواقف التى تفضحها زيارات الحج المتتالية إلى الإمارات وأشياء أخرى، لكنها خطوات مفضوحة؛ فالتسريبات والصراعات الداخلية على تقسيم "كعكة الوطن" والصدمات الانقلابية المتوغلة فى الغباء والأخطاء القاتلة للانقلابيين لها مفعول قوى فى إفشال المخططات الإجرامية للانقلاب من الداخل، فضلا عن الصمود الثورى المبهر والانتشار الواعى للثوار.

وتبرز الحاجة إلى هذا التطور الميدانى الذى لا نعول فيه على الوقت كثيرا، فالثورات كما تأتى فجأة تنتهى بسرعة خاطفة، لا يتوقعها الطغاة، ولا حتى الأحرار، فذلك من تدبير يد العدالة القاهرة التى نتلو فى كتابه الكريم قوله عز وجل: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وهو ما تحدثنا عنه باستفاضة أكثر فى مقالنا "ساعة صفر إسقاط الانقلاب".

وبرأينا يمكن أن نبنى التطور الميدانى الحاسم للثورة على أعمدة أربعة هى: "الوعى.. الانتشار.. الابتكار.. الصبر "، وهى عناوين لمضامين مهمة فى خارطة الحسم، تحتاج إلى اعتبار كل مصرى حر أو مصرية حرة، أنه ثورة بمفرده، تتحرك على الأرض، وتحمل الخير للجميع بمن فيهم من أخطأ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ. رواه البخارى، وفى رواية أخرى: "فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجِزُهُ عَنِ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ".

إن الوعى الثورى فى هذه اللحظة الفارقة، يستلزم انتشارا واسعا بين أطياف المجتمع، لاستقطاب القطاعات غير المسيسة المتضررة من الانقلاب، مع تجميع المسيسين أصحاب الأيدى البيضاء المصدومين مما حدث بعد 3 يوليو، وابتكار لوسائل الحسم الميدانى وشل الانقلابيين وهزيمتهم ميدانيا عبر وسائل قيادية لا مركزية تراعى الضوابط والسلمية وتنتهج أساليب قهر للعنف وكسر للبلطجة معجونة بالسلمية المبصرة، مع صبر تام على نضوج الوعى وتمكنه من القطاع اللازم لإطلاق ساعة الصفر.

إن باب ثورة الشرعية والكرامة، مفتوح، لمن أبصر الطريق، وربما متلحق متأخر، يحمل معه مفتاحا للنصر، خير من راكب من أول محطة، أقعده تعجل قطف ثمار الفوز مبكرا أو محدودية إبداعه، وهو ما يعنى أن نواصل الجهد فى كسب أكبر قطاع ممكن، فالأمر ليس عودة الشرعية الدستورية واحترام إرادة الشعب فحسب، ولكنه بداية صعود وطن ومواطن فى تاريخ البشرية بعد تخلصه من بقايا الاستعمار والاستحمار والاحتلال والتبعية بحسم ثورى كامل بإذن الله.

وهنا يجب على الجميع أن يجتهد فى مكانه، أو فى ضوء حدود انتشاره، فى أن يشكل ملامح ميدانية مبتكرة للفعل الثورى الميدانى، تتلافى ثغرات التطور الثورى الطبيعية، وتصنع حالة إرباك لقادة الانقلاب، وتشل إرهاب جنودهم، وتنساب بصورة ناعمة إلى مراكز قوة الانقلاب، تجتبى منها المتقين المحبين للوطن، وتجرس الفاسدين المحبين لعدو الوطن.

قد تكون فكرة واحدة تأتى من أقصى جنوب مصر، أو شمالها، كفيلة، بأحداث الحسم الثورى المطلوب، فالرؤى والإستراتيجيات توفر الطريق، ولكن الأفكار المبدعة وحدها كفيلة بتوفير وسائل النقل الإيجابى على هذا الطريق الوعر المنتشر على جنباته أعداء النجاح، وقطاع الطرق ولصوص الأصوات والقتلة والأفاقون.

إن التطور كذلك يتطلب حسن قيادة الحراك الميدانى على الأرض، فى ضوء مظلة القيادة السياسية الثورية للحراك ممثلة فى التحالف الوطنى لدعم الشرعية ورفض الانقلاب وحركاته النابعة من قوى المجتمع المدنى، بما يشكل تروسا متناغمة فى آلة ثورية تتحرك نحو الهدف المنشود لكل المصريين الأحرار.

وإن رعاية ضحايا البؤر الملتهبة التى يشعلها الانقلاب بغبائه أو بعجزه، كفيلة بكسب أراضٍ جديدة لثورة الشرعية والكرامة، فهذه بؤر مستعدة لتقديم جهودها لتحقيق أهدافها الخاصة المتقاطعة بشكل أو بآخر مع مطالب ثورة 25 يناير وموجة استكمالها الحالية.

ويجب أن نعلم جميعا أن التطور الميدانى الحاسم سيواجه بعراقيل أشد، واختبارات جديدة، ولكن يجب أن نتمسك بعون الله ثم بأعمدتنا الأربعة "وعى انتشار ابتكار صبر" بقوة، مع استمرار المضى فى طريقنا المحددة أهدافه المعروفة نتائجه ولو بعد حين.

إن النصر مسألة وقت، بإذن الله، فلم يدم انقلاب، ولم يستمر استبداد، ولم تهزم ثورة حق، ولم يخسر شهداء فى التاريخ دماءهم، والأيام تتدوال ولكن هذه المرة بسرعة بعد أن أصر قائد الانقلاب وفريقه الخائن على فتح كتاب القمع من الفصل الأخير والصفحة الأخيرة لحكمة يعلمها الله عز وجل.

_________________________

منسق حركة صحفيون من أجل الإصلاح





هذا المقال لا يعبر الا عن رأي كاتبه